يعتبر الرسم عملا من اعمال السحرة، وحلما في منتهى اليقظة، حلما يقهر الموت لانه يعيد ولادته باستمرار في العقل. ليس الرسم بديلا عن الحياة، بل هو حياة اخرى موازية لحياة نحب ان نعيشها بكل تفاصيلها.
آمنت بقيمة الفن الجمالية التي تتخطى المآسي والاحزان، واعتادت ريشتي الفرح والتجوال في حدائق اللون، فاعادتني الى احلام الطبيعة وفصولها.
من داخل محترفي، ومن مخزون ذاتي، سافرت بطاقة الفرح وبطاقة التجدد وبطاقة الحياة، لابتكر عالمي المتخيل ورحلاته التي تتزاوج بين الواقع والحلم، هذا الحلم الذي اضحى الحقيقة الوحيدة في زمن الكذب والفساد. بخشوع، عبرت عن اعماقي، كلمت السكوت بلغة المبدعين، انتفضت على المرض وتحديت الموت، اختزلت الوجود واقنعت نفسي اني موجودة. فالرسم عزائي، انه ينجيني! بالرسم كسرت جدران القلق المستبد بي، وراقصت اللون باصابعي. استعنت به كمن يقوم بعملية تنفس اصطناعي لانقاذ نفسي من الخوف والوحدة، فكانت اللوحة وسيلتي الوحيدة.
شرعت في الرسم لاني احتجت الى توليد الالوان والاشكال، الى الهروب من الذهني لرسم مخططات الغد واللوحات المعبرة. رسمت كي احافظ على براءتي واوقظ طفولتي التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي، وانويتي تعلن الاخلاص لزمن قضى ارفض نسيانه كصدى حنين الطفولة.
تصالحت مع نفسي كي يبقى من ذكري الفرح، لان الرسم يشعرني ربما بالسعادة، من خلال اكتشافي الالوان المخزنة في لاوعيي وفي ذاكرة يداي، فالرسم اصبح مملكتي وشفيعي!
اضاف الرسم االى ذاتي الامل والبهجة، ولعبة الالوان اعطت حياتي معنى خاصا ولذة نادرة. فالرسم جعلني التقي مع اناي واحاوره، وابوح على اللوحة ما صمت عنه، رسمت فرحي، ورسمت احزاني، فالرسم لغتي وتواصلي وصلاتي!
رسمت سعيا الى الفرح والتصالح مع الذات ومع الآخرين. فالرسم جعلني احقق ما حلمت به، الحميمية والاستمرارية في الحياة!
تخيلت وحلمت ورسمت بالريشة والالوان ما يحلو لي . فكانت سعادتي بما عبرت عنه روحي من صور ذهنية، وقد انفصلت عني لتصبح مرئية، مستقلة. فهمت ان الحكاية ضرورية لمن يرى اللوحة، فتركت له حرية الحلم، وحرية قراءتها كل على طريقته.
يكمن عمق الرسم اساسا في ان ينطلق من واقع ما، ومن حياة يومية معاشة، من اجل الوصول الى رسم لوحة نحلم بها ونبحث من خلالها عما نريد. فالرسام لا يولد من العدم، بل من حرية خياله وحسه الابداعي وثقته في القبض على الاشياء وتحويلها من طابعها المادي المباشر الى طابعها الخيالي.
اختزنت في ذاكرتي مشاهدات بصرية، ما لبثت ان جسدتها ريشتي بالوان باهرة نابضة، تميزت بلوحات نورانية ومساحات مضيئة بتدرجات وتموجات ورشاقة فنية ابداعية خلاقة.
تحمل رسوماتي رقة شديدة، هدوءا بالغا، مشاعر مرهفة وتهاون مع الوان هادئة كالطبيعة، وتفاصيل مهمة. اما المشاهد الساحرة فوهبتني القدرة على تمييز الاشكال والالوان التي لا ترى بيسر.
تثير رسوماتي الاحاسيس وتطال القلب كما الروح. انها كالمرآة تعكس صورة نفسي وصورة الحياة والعالم، انها حلمي الجميل!
لم ارسم ما تراه عيني بقدر ما تكتشفه رغباتي، واللوحة حققت اناي وحملت بصماتي.
ينطوي عملي الفني على الكثير من المعاني، ناقلا رسالة للمتلقي وفكرة تصله باسلوب ممتع يفسح المجال في التحليل مع فسحة من خيال جمالي.